الشيخ محمد رشيد رضا

211

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

اي ان من سنة اللّه تعالى أن يجازي الكافرين مثل هذا الجزاء فيعذبهم قي مقابلة تعرضهم للعذاب بتعدي حدوده فيكونوا هم الظالمين لأنفسهم . وقرأ حمزة والكسائي : ولا تقتلوهم . . . حتى يقتلوكم . فان قتلوكم فاقتلوهم . من قتل الثلاثي ويخرّج على أن قتل بعض الأمة كقتل جميعها لتكافلها . والمراد حتى لا يقتلوا أحدا منكم فان قتلوا أحدا فاقتلوهم وهو أسلوب عربي بليغ . ثم قال * * * فَإِنِ انْتَهَوْا عن القتال فكفوا عنهم ، أو عن الكفر فان اللّه يقبل منهم ، فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ يمحو عن العبد ما سلف ، إذا هو تاب عما اقترف ، ويرحمه فيما بقي ، إذا هو أحسن واتقى ، ( إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ) * * * وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ عطف على ( قاتلوا ) في الآية الأولى فتلك بينت بداية القتال وهذه ببنت غايته وهي الا يوجد شيء من الفتنة في الدين ، ولهذا قال الأستاذ الامام : أي حتى لا تكون لهم قوة يفتنونكم بها ويؤذونكم لأجل الدين ويمنعونكم من اظهاره أو الدعوة اليه وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ وفي آية سورة الأنفال ( 9 : 29 وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ ) أي يكون دين كل شخص خالصا للّه لا أثر لخشية غيره فيه ، فلا يفتن لصده عنه ولا يؤذي فيه ، ولا يحتاج فيه إلى الدهان والمداراة ، أو الاستخفاء أو المحاباة ، وقد كانت مكة إلى هذا العهد قرار الشرك ، والكعبة مستودع الأصنام ، فالمشرك فيها حر في ضلالته ، والمؤمن مغلوب على هدايته ، قال فَإِنِ انْتَهَوْا * أي في هذه المرة عما كانوا عليه فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ أي فلا عدوان عليهم لأن العدوان انما يكون على الظالمين تأديبا لهم ليرجعوا عن ظلمهم ، ففي الكلام ايجاز بالحذف ، واستغناء عن المحذوف بالتعليل الدال عليه . ويجوز أن يكون المعنى فان انتهوا عما كانوا عليه من القتال والفتنة فلا عدوان بعد ذلك إلا على من كان منهم ظالما بارتكابه ما يوجب القصاص . أي فلا يحاربون عامة وإنما يؤخذ المجرم بجريمته ، ثم زاد تعليل الاذن بالقتال بيانا ببنائه على قاعدة عادلة معقولة فقال تعالى